الشيخ محمد علي طه الدرة

101

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

منصوبا بإضمار فعله ، مثل : معاذ اللّه ، وقد أجري علما على التّسبيح بمعنى التنزيه على الشّذوذ في قول الأعشى : [ السريع ] قد قلت لمّا جاءني فخره : * سبحان من علقمة الفاخر وتصدير الكلام به اعتذار عن الاستفسار ، والجهل بحقيقة الحال ، لذلك جعل مفتاح التوبة بقوله تعالى حكاية عن قول يونس - على نبينا وعليه ألف صلاة وألف سلام - : سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ وقد نزّه اللّه ذاته في كثير من الآيات تنزيها يليق بجلاله ، وعظمته . وجملة القول فيه : هو اسم موضوع موضع المصدر ، وهو غير متمكّن ؛ لأنه لا يجري بوجوه الإعراب ، من رفع ، وجرّ ، ولا تدخل عليه الألف واللام ، ولم يجئ من لفظه فعل ، وذلك مثل : قعد القرفصاء ، ولم ينصرف ؛ لأن في آخره زائدتين : الألف ، والنون ، ومعناه : التنزيه ، والبراءة للّه - عزّ وجلّ من كل نقص - فهو ذكر للّه تعالى ، لا يصلح لغيره ، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [ 30 ] . والعامل فيه على مذهب سيبويه الفعل الذي من معناه لا من لفظه ؛ إذ لم يجر له فعل من لفظه ، وذلك مثل : قعد القرفصاء ، فالتقدير عنده : أنزه اللّه تنزيها ، فوقع سبحان اللّه مكان قولك : تنزيها للّه ، وانظر الإعراب . لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا أي : إنك أجلّ من أن نحيط بشيء من علمك إلا ما علّمتنا ، فهو اعتراف بالعجز ، والقصور ، وإشعار بأنّ سؤالهم كان استفسارا ، ولم يكن اعتراضا ، وأنّه قد بان لهم ما قد خفي عليهم من فضل الإنسان ، والحكمة في خلقه ، وإظهار لشكر نعمته بما عرفهم ، وكشف لهم ما اعتقل عليهم ، ومراعاة للأدب بتفويض العلم كلّه إليه . انتهى . بيضاوي . الْعَلِيمُ : الذي لا يخفى عليه خافية في الأرض ، ولا في السماء ، فهو : « فعيل » للمبالغة والتكثير في المعلومات في خلق اللّه تعالى . الْحَكِيمُ معناه : الحاكم ، وبينهما مزيد المبالغة ، وقال قوم : الْحَكِيمُ : المانع من الفساد ، ومنه سمّيت حكمة اللجام ؛ لأنها تمنع الفرس من الجري ، والذهاب في غير قصد ، قال جرير : [ الكامل ] أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم * إنّي أخاف عليكم أن أغضبا أي : امنعوهم من الفساد ، هذا ؛ و الْحَكِيمُ هو الذي لا يفعل إلا ما فيه حكمة ، وقدم الْعَلِيمُ على الْحَكِيمُ لأنه هو المفضل به في قوله : وَعَلَّمَ وقوله : لا عِلْمَ لَنا فناسب اتصاله به ، ولأن الحكمة ناشئة عن العلم ، وأثر له ، ولا تنس : أنهما من صيغ المبالغة . فائدة : قال القرطبيّ - رحمه اللّه تعالى - : الواجب على من سئل عن علم أن يقول إن لم يعلم : « اللّه أعلم ، ولا أدري » اقتداء بالملائكة ، والأنبياء ، والفضلاء من العلماء ، ولكن قد أخبر الصّادق المصدوق : أنّ بموت العلماء يقبض العلم ، فيبقى ناس جهّال يستفتون ، فيفتون في رأيهم ، فيضلّون ، ويضلّون .